ابن كثير
413
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ألم تر أن النّبع يصلب عوده * ولا يستوي والخروع المتقصّف « 1 » وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه ، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك ، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الأرض ، فهبط عليه جبريل عليه السلام وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه اللّه عليها ، له ستمائة جناح ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني ليلة الإسراء ، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل عليه السلام أول مرة ، فأوحى اللّه إليه صدر سورة اقْرَأْ ، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم فيها مرارا ليتردى من رؤوس الجبال . فكلما هم بذلك ناداه جبريل من الهواء ، يا محمد أنت رسول اللّه حقا وأنا جبريل ، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه ، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالأبطح في صورته التي خلقه اللّه عليها ، له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق ، فاقترب منه وأوحى إليه عن اللّه عز وجل ما أمره به ، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة وجلالة قدره وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه . فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال : حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « بينا أنا قاعد إذ جاء جبريل عليه السلام فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها كوكرى الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر . فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين ، وأنا أقلب طرفي ، ولو شئت أن أمس السماء لمسست ، فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه باللّه علي . وفتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم ، وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت . وأوحي إلي ما شاء اللّه أن يوحي » ثم قال البزار : « لا يرويه إلا الحارث بن عبيد ، وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة . ( قلت ) الحارث بن عبيد هذا هو أبو قدامة الإيادي أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن معين ضعفه ، وقال : ليس هو بشيء ، وقال الإمام أحمد : مضطرب الحديث . وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال ابن حبان : كثر وهمه فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد ، فهذا الحديث من غرائب رواياته ، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقا عجيبا ولعله منام ، واللّه أعلم . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حجاج ، حدثنا شريك عن عاصم عن أبي وائل عن عبد اللّه أنه قال : رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح ، كل جناح منها قد سد الأفق ،
--> ( 1 ) البيت لجرير في ديوانه ص 298 ، وبلا نسبة في أساس البلاغة ( قصف ) ، وتفسير الطبري 11 / 506 . ( 2 ) . 1 / 395 ، 398 ، 407 .